الخميس، 24 يناير 2013


الجدارية

محمود درويش - فلسطين


هذا هو اسمك /قالت امرأة ،وغابتْ في الممرٌ اللولبيٌ“أري السماء هناك في متناول الأيدي .ويحملني جناح حمامة بيضاء صوْبطفولة أخري . ولم أحلمْ بأنيكنت أحلم . كلٌ شيء واقعيٌ . كنْتأعلم أنني ألْقي بنفسي جانبا“وأطير . سوف أكون ما سأصير فيالفلك الأخير .
وكلٌ شيء أبيض ،البحر المعلٌق فوق سقف غمامةٍبيضاء . والٌلا شيء أبيض فيسماء المطْلق البيضاء . كنْت ، ولمأكنْ . فأنا وحيد في نواحي هذهالأبديٌة البيضاء . جئت قبيْل ميعاديفلم يظْهرْ ملاك واحد ليقول لي :(( ماذا فعلت ، هناك ، في الدنيا ؟ ))ولم أسمع هتاف الطيٌبين ، ولاأنين الخاطئين ، أنا وحيد في البياض ،أنا وحيد “
لاشيء يوجعني علي باب القيامة .لا الزمان ولا العواطف . لاأحسٌ بخفٌة الأشياء أو ثقلالهواجس . لم أجد أحدا لأسأل :أين (( أيْني )) الآن ؟ أين مدينةالموتي ، وأين أنا ؟ فلا عدمهنا في اللا هنا “ في اللازمان ،ولا وجود
وكأنني قد متٌ قبل الآن “أعرف هذه الرؤيا ، وأعرف أننيأمضي إلي ما لسْت أعرف . ربٌماما زلت حيٌا في مكان ٍ ما، وأعرفما أريد “سأصير يوما ما أريد
سأصير يوما فكرة . لا سيْف يحملهاإلي الأرض اليباب ، ولا كتاب “كأنٌها مطر علي جبلٍ تصدٌع منتفتٌح عشْبة ٍ ،لا القوٌة انتصرتْولا العدْل الشريدسأصير يوما ما أريد
سأصير يوما طائرا ، وأسلٌ من عدميوجودي . كلٌما احترق الجناحاناقتربت من الحقيقة ، وانبعثت منالرماد . أنا حوار الحالمين ، عزفْتعن جسدي وعن نفسي لأكْملرحلتي الأولي إلي المعني ، فأحْرقنيوغاب . أنا الغياب . أنا السماويٌالطريد .سأصير يوما ما أريد
سأصير يوما كرمة ،فلْيعْتصرني الصيف منذ الآن ،وليشربْ نبيذي العابرون عليثريٌات المكان السكٌريٌ !أنا الرسالة والرسولأنا العناوين الصغيرة والبريدسأصير يوما ما أريد
هذا هو اسمك /قالت امرأة ،وغابتْ في ممرٌ بياضها .هذا هو اسمك ، فاحفظ اسْمك جيٌدا !لا تختلفْ معه علي حرْفيولا تعْبأْ برايات القبائل ،كنْ صديقا لاسمك الأفقيٌجرٌبْه مع الأحياء والموتيودرٌبْه علي النطْق الصحيح برفقة الغرباءواكتبْه علي إحدي صخور الكهف ،يا اسمي : سوف تكبر حين أكبرسوف تحملني وأحملكالغريب أخ الغريبسنأخذ الأنثي بحرف العلٌة المنذور للناياتيا اسمي: أين نحن الآن ؟قل : ما الآن ، ما الغد ؟ما الزمان وما المكانوما القديم وما الجديد ؟سنكون يوما ما نريد
لا الرحلة ابتدأتْ ، ولا الدرب انتهيلم يبْلغ الحكماء غربتهمْكما لم يبْلغ الغرباء حكمتهمْولم نعرف من الأزهار غير شقائق النعمان ،فلنذهب إلي أعلي الجداريات :أرض قصيدتي خضراء ، عالية ،كلام الله عند الفجر أرض قصيدتيوأنا البعيدأنا البعيد
في كلٌ ريحي تعْبث امرأة بشاعرهاخذ الجهة التي أهديتنيالجهة التي انكسرتْ ،وهات أنوثتي ،لم يبْق لي إلاٌ التأمٌل فيتجاعيد البحيْرة . خذْ غدي عنٌيوهات الأمس ، واتركنا معالا شيء ، بعدك ، سوف يرحلأو يعود
وخذي القصيدة إن أردتفليس لي فيها سواكخذي (( أنا )) ك . سأكْمل المنفيبما تركتْ يداك من الرسائل لليمام .فأيٌنا منا (( أنا )) لأكون آخرها ؟ستسقط نجمة بين الكتابة والكلاموتنْشر الذكري خواطرها : ولدْنافي زمان السيف والمزمار بينالتين والصبٌار . كان الموت أبطأ .كان أوْضح . كان هدْنة عابرينعلي مصبٌ النهر . أما الآن ،فالزرٌ الإلكترونيٌ يعمل وحْده . لاقاتل يصْغي إلي قتلي . ولا يتلووصيٌته شهيد
من أيٌ ريح جئت ؟قولي ما اسم جرْحك أعرفالطرق التي سنضيع فيها مرٌتيْن !وكلٌ نبْضٍ فيك يوجعني ، ويرْجعنيإلي زمنٍ خرافيٌ . ويوجعني دميوالملح يوجعني “ ويوجعني الوريد
في الجرٌة المكسورة انتحبتْ نساءالساحل السوريٌ من طول المسافة ،واحترقْن بشمس آب . رأيتهنٌ عليطريق النبع قبل ولادتي . وسمعتصوْت الماء في الفخٌار يبكيهنٌ :عدْن إلي السحابة يرجع الزمن الرغيد
قال الصدي :لاشيء يرجع غير ماضي الأقوياءعلي مسلاٌت المدي “ذهبيٌة آثارهمْذهبيٌة ورسائل الضعفاء للغد ،أعْطنا خبْز الكفاف ، وحاضرا أقوي .فليس لنا التقمٌص والحلول ولا الخلود
قال الصدي :وتعبت من أملي العضال . تعبتمن شرك الجماليٌات : ماذا بعدبابل؟ كلٌما اتٌضح الطريق إليالسماء ، وأسْفر المجهول عن هدفٍنهائيٌ تفشٌي النثر في الصلوات ،وانكسر النشيد
خضراء ، أرض قصيدتي خضراء عالية “تطلٌ عليٌ من بطحاء هاويتي “غريب أنت في معناك . يكفي أنتكون هناك ، وحدك ، كي تصيرقبيلة“غنٌيْت كي أزن المدي المهدورفي وجع الحمامة ،لا لأشْرح ما يقول الله للإنسان ،لسْت أنا النبيٌ لأدٌعي وحْياوأعْلن أنٌ هاويتي صعود
وأنا الغريب بكلٌ ما أوتيت منلغتي . ولو أخضعت عاطفتي بحرفالضاد ، تخضعني بحرف الياء عاطفتي ،وللكلمات وهي بعيدة أرض تجاوركوكبا أعلي . وللكلمات وهي قريبةمنفي . ولا يكفي الكتاب لكي أقول :وجدت نفسي حاضرا ملْء الغياب .وكلٌما فتٌشْت عن نفسي وجدتالآخرين . وكلٌما فتٌشْت عنْهمْ لمأجد فيهم سوي نفسي الغريبة ،هل أنا الفرْد الحشود ؟
وأنا الغريب . تعبْت من درب الحليبإلي الحبيب . تعبت من صفتي .يضيق الشٌكْل . يتٌسع الكلام . أفيضعن حاجات مفردتي . وأنْظر نحونفسي في المرايا :هل أنا هو ؟هل أؤدٌي جيٌدا دوْري من الفصلالأخير ؟وهل قرأت المسرحيٌة قبل هذا العرض ،أم فرضتْ عليٌ ؟وهل أنا هو من يؤدٌي الدٌوْرأمْ أنٌ الضحيٌة غيٌرتْ أقوالهالتعيش ما بعد الحداثة ، بعدماانْحرف المؤلٌف عن سياق النصٌوانصرف الممثٌل والشهود ؟
وجلست خلف الباب أنظر :هل أنا هو ؟هذه لغتي . وهذا الصوت وخْز دميولكن المؤلٌف آخر“أنا لست مني إن أتيت ولم أصلْأنا لست منٌي إن نطقْت ولم أقلْأنا منْ تقول له الحروف الغامضات :اكتبْ تكنْ !واقرأْ تجدْ !وإذا أردْت القوْل فافعلْ ، يتٌحدْضدٌاك في المعني “وباطنك الشفيف هو القصيد
بحٌارة حولي ، ولا ميناءأفرغني الهباء من الإشارة والعبارة ،لم أجد وقتا لأعرف أين منْزلتي ،الهنيْهة ، بين منْزلتيْن . لم أسألسؤالي ، بعد ، عن غبش التشابهبين بابيْن : الخروج أم الدخول “ولم أجدْ موتا لأقْتنص الحياة .ولم أجدْ صوتا لأصرخ : أيٌهاالزمن السريع ! خطفْتني مما تقوللي الحروف الغامضات :ألواقعيٌ هو الخياليٌ الأكيد
يا أيها الزمن الذي لم ينتظرْ “لم ينْتظرْ أحدا تأخٌر عن ولادته ،دع الماضي جديدا ، فهْو ذكراكالوحيدة بيننا ، أيٌام كنا أصدقاءك ،لا ضحايا مركباتك . واترك الماضيكما هو ، لا يقاد ولا يقود
ورأيت ما يتذكٌر الموتي وما ينسون “همْ لا يكبرون ويقرأون الوقْت فيساعات أيديهمْ . وهمْ لايشعرونبموتنا أبدا ولا بحياتهمْ . لا شيءممٌا كنْت أو سأكون . تنحلٌ الضمائركلٌها . هو في أنا في أنت .لا كلٌ ولاجزْء . ولا حيٌ يقوللميٌتي : كنٌي !
.. وتنحلٌ العناصر والمشاعر . لاأري جسدي هناك ، ولا أحسٌبعنفوان الموت ، أو بحياتي الأولي .كأنٌي لسْت منٌي . منْ أنا ؟ أأناالفقيد أم الوليد ؟
الوقْت صفْر . لم أفكٌر بالولادةحين طار الموت بي نحو السديم ،فلم أكن حيٌا ولا ميْتا،ولا عدم هناك ، ولا وجود
تقول ممرٌضتي : أنت أحسن حالا .وتحقنني بالمخدٌر : كنْ هادئاوجديرا بما سوف تحلمعما قليل “
رأيت طبيبي الفرنسيٌيفتح زنزانتيويضربني بالعصايعاونه اثنان من شرْطة الضاحيةْ
رأيت أبي عائدامن الحجٌ ، مغمي عليهمصابا بضربة شمسي حجازيٌةيقول لرفٌ ملائكةي حوْله :أطفئوني ! “
رأيت شبابا مغاربةيلعبون الكرةْويرمونني بالحجارة : عدْ بالعبارةواتركْ لنا أمٌنايا أبانا الذي أخطأ المقبرةْ !
رأيت ريني شاريجلس مع هيدغرعلي بعْد مترين منٌي ،رأيتهما يشربان النبيذولا يبحثان عن الشعر “كان الحوار شعاعاوكان غد عابر ينتظرْ
رأيت رفاقي الثلاثة ينتحبونوهمْيخيطون لي كفنابخيوط الذٌهبْ
رأيت المعريٌ يطرد نقٌادهمن قصيدته :لست أعميلأبْصر ما تبصرونْ ،فإنٌ البصيرة نور يؤدٌيإلي عدمي “. أو جنونْ
رأيت بلادا تعانقنيبأيدي صباحيٌة : كنْجديرا برائحة الخبز . كنْلائقا بزهور الرصيفْفما زال تنٌور أمٌكمشتعلا ،والتحيٌة ساخنة كالرغيفْ !
خضراء ، أرض قصيدتي خضراء . نهر واحد يكفيلأهمس للفراشة : آه ، يا أختي ، ونهْر واحد يكفي لإغواءالأساطير القديمة بالبقاء علي جناح الصٌقْر ، وهْو يبدٌلالرايات والقمم البعيدة ، حيث أنشأت الجيوش ممالكالنسيان لي . لا شعْب أصْغر من قصيدته . ولكنٌ السلاحيوسٌع الكلمات للموتي وللأحياء فيها ، والحروف تلمٌعالسيف المعلٌق في حزام الفجر ، والصحراء تنقصبالأغاني ، أو تزيد
لا عمْر يكفي كي أشدٌ نهايتي لبدايتيأخذ الرٌعاة حكايتي وتوغٌلوا في العشب فوق مفاتنالأنقاض ، وانتصروا علي النسيان بالأبواق والسٌجعالمشاع ، وأورثوني بحٌة الذكري علي حجر الوداع ، ولميعودوا “
رعويٌة أيٌامنا رعويٌة بين القبيلة والمدينة ، لم أجد ليْلاخصوصيٌا لهودجك المكلٌل بالسراب ، وقلت لي :ما حاجتي لاسمي بدونك ؟ نادني ، فأنا خلقتكعندما سمٌيْتني ، وقتلتني حين امتلكت الاسم “كيف قتلتني ؟ وأنا غريبة كلٌ هذا الليل ، أدْخلْنيإلي غابات شهوتك ، احتضنٌي واعْتصرْني ،واسفك العسل الزفافيٌ النقيٌ علي قفير النحل .بعثرني بما ملكتْ يداك من الرياح ولمٌني .فالليل يسْلم روحه لك يا غريب ، ولن تراني نجمةإلاٌ وتعرف أنٌ عائلتي ستقتلني بماء اللازورد ،فهاتني ليكون لي ­ وأنا أحطٌم جرٌتي بيديٌ ­حاضري السعيد
هل قلْت لي شيئا يغيٌر لي سبيلي ؟لم أقلْ . كانت حياتي خارجيأنا منْ يحدٌث نفسه :وقعتْ معلٌقتي الأخيرة عن نخيليوأنا المسافر داخليوأنا المحاصر بالثنائيات ،لكنٌ الحياة جديرة بغموضهاوبطائر الدوريٌ “لم أولدْ لأعرف أنني سأموت ، بل لأحبٌ محتويات ظلٌاللهيأخذني الجمال إلي الجميلوأحبٌ حبٌك ، هكذا متحررا من ذاته وصفاتهوأنا بديلي “أنا من يحدٌث نفْسه :منْ أصغر الأشياء تولد أكبر الأفكاروالإيقاع لا يأتي من الكلمات ،بل منْ وحدة الجسديْنفي ليلي طويلي “
أنا منْ يحدٌث نفْسهويروٌض الذكري “ أأنت أنا ؟وثالثنا يرفرف بيننا لا تنْسياني دائمايا موْتنا ! خذْنا إليك علي طريقتنا ، فقد نتعلٌم الإشراق “لا شمْس ولا قمر عليٌتركت ظلٌي عالقا بغصون عوْسجةيفخفٌ بي المكانوطار بي روحي الشٌرود
أنا منْ يحدٌث نفسه :يا بنت : ما فعلتْ بك الأشواق ؟إن الريح تصقلنا وتحملنا كرائحة الخريف ،نضجت يا امرأتي علي عكٌازتيٌ ،بوسعك الآن الذهاب علي طريق دمشقواثقة من الرؤيا . ملاك حارسوحمامتان ترفرفان علي بقيٌة عمرنا ، والأرض عيد “
الأرض عيد الخاسرين ونحن منهمْنحن من أثر النشيد الملحميٌ علي المكان ، كريشة النٌسْرالعجوز خيامنا في الريح . كنٌا طيٌبين وزاهدين بلا تعاليمالمسيح . ولم نكنْ أقوي من الأعشاب إلاٌ في ختامالصيْف ،أنت حقيقتي ، وأنا سؤالكلم نرثْ شيئا سوي اسْميْناوأنت حديقتي ، وأنا ظلالكعند مفترق النشيد الملحميٌ “ولم نشارك في تدابير الإلهات اللواتي كنٌ يبدأن النشيدبسحرهنٌ وكيدهنٌ . وكنٌ يحْملْن المكان علي قرونالوعل من زمن المكان إلي زمان آخري “
كنا طبيعيٌين لو كانت نجوم سمائنا أعلي قليلا منحجارة بئرنا ، والأنبياء أقلٌ إلحاحا ، فلم يسمع مدائحناالجنود “
خضراء ، أرض قصيدتي خضراءيحملها الغنائيٌون من زمني إلي زمني كما هي فيخصوبتها .ولي منها : تأمٌل نرْجسي في ماء صورتهولي منها وضوح الظلٌ في المترادفاتودقٌة المعني “ولي منها : التٌشابه في كلام الأنبياءعلي سطوح الليللي منها : حمار الحكمة المنسيٌ فوق التلٌيسخر من خرافتها وواقعها “ولي منها : احتقان الرمز بالأضدادلا التجسيد يرجعها من الذكريولا التجريد يرفعها إلي الإشراقة الكبريولي منها : أنا الأخريتدوٌن في مفكٌرة الغنائيٌين يوميٌاتها :((إن كان هذا الحلْم لا يكفيفلي سهر بطوليٌ علي بوابة المنفي “ ))ولي منها : صدي لغتي علي الجدرانيكشط ملْحها البحريٌحين يخونني قلْب لدود “
أعلي من الأغوار كانت حكمتيإذ قلت للشيطان : لا . لا تمْتحنٌي !لا تضعْني في الثٌنائيٌات ، واتركنيكما أنا زاهدا برواية العهد القديموصاعدا نحو السماء ، هناك مملكتيخذ التاريخ ، يا ابن أبي ، خذالتاريخ “ واصنعْ بالغرائز ما تريد
ولي السكينة . حبٌة القمح الصغيرةسوف تكفينا ، أنا وأخي العدوٌ ،فساعتي لم تأْت بعْد . ولم يحنْوقت الحصاد . عليٌ أن ألج الغيابوأن أصدٌق أوٌلا قلبي وأتبعه إليقانا الجليل . وساعتي لم تأت بعْد .لعلٌ شيئا فيٌ ينبذني . لعلٌي واحدغيري . فلم تنضج كروم التين حولملابس الفتيات بعْد . ولم تلدْنيريشة العنقاء . لا أحد هنالكفي انتظاري . جئْت قبل ، وجئتبعد ، فلم أجد أحدا يصدٌق ماأري . أنا منْ رأي . وأنا البعيدأنا البعيد
منْ أنت ، يا أنا ؟ في الطريقاثنان نحْن ، وفي القيامة واحد .خذْني إلي ضوء التلاشي كي أريصيْرورتي في صورتي الأخري . فمنْسأكون بعدك ، يا أنا ؟ جسديورائي أم أمامك ؟ منْ أنا ياأنت ؟ كوٌنٌي كما كوٌنْتك ، ادْهنٌيبزيت اللوز ، كلٌلني بتاج الأرز .واحملني من الوادي إلي أبديٌةٍبيضاء . علٌمني الحياة علي طريقتك ،اختبرْني ذرٌة في العالم العلْويٌ .ساعدْني علي ضجر الخلود ، وكنْرحيما حين تجرحني وتبزغ منشراييني الورود “
لم تأت ساعتنا . فلا رسل يقيسونالزمان بقبضة العشب الأخير . هل استدار ؟ ولا ملائكةيزورون المكان ليترك الشعراء ماضيهمْ علي الشٌفقالجميل ، ويفتحوا غدهمْ بأيديهمْ .فغنٌي يا إلهتي الأثيرة ، ياعناة ،قصيدتي الأولي عن التكوين ثانية “فقد يجد الرٌواة شهادة الميلادللصفصاف في حجري خريفيٌ . وقد يجدالرعاة البئر في أعماق أغنية . وقدتأتي الحياة فجاءة للعازفين عنالمعاني من جناح فراشةٍ علقتْبقافيةٍ ، فغنٌي يا إلهتي الأثيرةيا عناة ، أنا الطريدة والسهام ،أنا الكلام . أنا المؤبٌن والمؤذٌنوالشهيد
ما قلت للطٌلل : الوداع . فلم أكنْما كنْت إلاٌ مرٌة . ما كنْت إلاٌمرٌة تكفي لأعرف كيف ينكسر الزمانكخيمة البدويٌ في ريح الشمال ،وكيف ينْفطر المكان ويرتدي الماضينثار المعبد المهجور . يشبهني كثيراكلٌ ما حولي ، ولم أشْبهْ هناشيئا . كأنٌ الأرض ضيٌقة عليالمرضي الغنائيٌين ، أحفاد الشياطينالمساكين المجانين الذين إذا رأواحلْما جميلا لقٌنوا الببغاء شعْرالحب ، وانفتحتْ أمامهم الحدود “
وأريد أن أحيا “فلي عمل علي ظهر السفينة . لالأنقذ طائرا من جوعنا أو مندوار البحر ، بل لأشاهد الطوفانعن كثبي : وماذا بعد ؟ ماذايفعل الناجون بالأرض العتيقة ؟هل يعيدون الحكاية ؟ ما البداية ؟ما النهاية ؟ لم يعد أحد منالموتي ليخبرنا الحقيقة “ /أيٌها الموت انتظرني خارج الأرض ،انتظرني في بلادك ، ريثما أنهيحديثا عابرا مع ما تبقٌي من حياتيقرب خيمتك ، انتظرْني ريثما أنهيقراءة طرْفة بن العبْد . يغْرينيالوجوديٌون باستنزاف كلٌ هنيْهةيحرية ، وعدالة ، ونبيذ آلهةٍ “ /فيا موْت ! انتظرني ريثما أنهيتدابير الجنازة في الربيع الهشٌ ،حيث ولدت ، حيث سأمنع الخطباءمن تكرار ما قالوا عن البلد الحزينوعن صمود التين والزيتون في وجهالزمان وجيشه . سأقول : صبٌونيبحرف النون ، حيث تعبٌ روحيسورة الرحمن في القرآن . وامشواصامتين معي علي خطوات أجداديووقع الناي في أزلي . ولاتضعوا علي قبري البنفسج ، فهْوزهْر المحْبطين يذكٌر الموتي بموتالحبٌ قبل أوانه . وضعوا عليالتابوت سبْع سنابلي خضراء إنْوجدتْ ، وبعْض شقائق النعْمان إنْوجدتْ . وإلاٌ ، فاتركوا ورْدالكنائس للكنائس والعرائس /أيٌها الموت انتظر ! حتي أعدٌحقيبتي : فرشاة أسناني ، وصابونيوماكنة الحلاقة ، والكولونيا ، والثياب .هل المناخ هناك معْتدل ؟ وهلتتبدٌل الأحوال في الأبدية البيضاء ،أم تبقي كما هي في الخريف وفيالشتاء ؟ وهل كتاب واحد يكفيلتسْليتي مع اللاٌوقت ، أمْ أحتاجمكتبة ؟ وما لغة الحديث هناك ،دارجة لكلٌ الناس أم عربيٌةفصْحي/
.. ويا موْت انتظرْ ، يا موت ،حتي أستعيد صفاء ذهْني في الربيعوصحٌتي ، لتكون صيٌادا شريفا لايصيد الظٌبْي قرب النبع . فلتكن العلاقةبيننا ودٌيٌة وصريحة : لك أنتمالك من حياتي حين أملأها ..ولي منك التأمٌل في الكواكب :لم يمتْ أحد تماما ، تلك أرواحتغيٌر شكْلها ومقامها /يا موت ! يا ظلٌي الذيسيقودني ، يا ثالث الاثنين ، يالوْن التردٌد في الزمرٌد والزٌبرْجد ،يا دم الطاووس ، يا قنٌاص قلبالذئب ، يا مرض الخيال ! اجلسْعلي الكرسيٌ ! ضعْ أدوات صيدكتحت نافذتي . وعلٌقْ فوق باب البيتسلسلة المفاتيح الثقيلة ! لا تحدٌقْيا قويٌ إلي شراييني لترصد نقْطةالضعف الأخيرة . أنت أقوي مننظام الطبٌ . أقوي من جهازتنفٌسي . أقوي من العسل القويٌ ،ولسْت محتاجا ­ لتقتلني ­ إلي مرضي .فكنْ أسْمي من الحشرات . كنْ منْأنت ، شفٌافا بريدا واضحا للغيب .كن كالحبٌ عاصفة علي شجر ، ولاتجلس علي العتبات كالشحٌاذ أو جابيالضرائب . لا تكن شرطيٌ سيْري فيالشوارع . كن قويٌا ، ناصع الفولاذ ، واخلعْ عنك أقنعةالثعالب . كنْفروسيا ، بهيا ، كامل الضربات . قلْما شئْت : (( من معني إلي معنيأجيء . هي الحياة سيولة ، وأناأكثٌفها ، أعرٌفها بسلْطاني وميزاني )) .. /وياموْت انتظرْ ، واجلس عليالكرسيٌ . خذْ كأس النبيذ ، ولاتفاوضْني ، فمثلك لا يفاوض أيٌإنساني ، ومثلي لا يعارض خادمالغيب . استرح “ فلربٌما أنْهكْت هذااليوم من حرب النجوم . فمن أنالتزورني ؟ ألديْك وقْت لاختبارقصيدتي . لا . ليس هذا الشأنشأنك . أنت مسؤول عن الطينيٌ فيالبشريٌ ، لا عن فعْله أو قوْله /هزمتْك يا موت الفنون جميعها .هزمتك يا موت الأغاني في بلادالرافدين . مسلٌة المصريٌ ، مقبرة الفراعنة ،النقوش علي حجارة معبدي هزمتْكوانتصرتْ ، وأفْلت من كمائنكالخلود “فاصنع بنا ، واصنع بنفسك ما تريد
وأنا أريد ، أريد أن أحيا “فلي عمل علي جغرافيا البركان .من أيام لوط إلي قيامة هيروشيماواليباب هو اليباب . كأنني أحياهنا أبدا ، وبي شبق إلي ما لستأعرف . قد يكون الآن أبعد .قد يكون الأمس أقرب . والغد الماضي .ولكني أشدٌ الآن من يده ليعبرقربي التاريخ ، لا الزٌمن المدوٌر ،مثل فوضي الماعز الجبليٌ . هلأنجو غدا من سرعة الوقت الإلكترونيٌ ،أم أنجو غدا من بطْء قافلتيعلي الصحراء؟ لي عمل لآخرتيكأني لن أعيش غدا. ولي عمل ليوميحاضري أبدا . لذا أصغي ، علي مهليعلي مهل ، لصوت النمل في قلبي :أعينوني علي جلدي . وأسمع صرْخةالحجر الأسيرة : حرٌروا جسدي . وأبصرفي الكمنجة هجرة الأشواق من بلديترابيٌ إلي بلدي سماويٌ . وأقبض فييد الأنثي علي أبدي الأليف : خلقتثم عشقْت ، ثم زهقت ، ثم أفقتفي عشْبي علي قبري يدلٌ عليٌ منحيني إلي حيني . فما نفْع الربيعالسمح إن لم يؤْنس الموتي ويكْملْبعدهمْ فرح الحياة ونضْرة النسيان ؟تلك طريقة في فكٌ لغز الشعر ،شعري العاطفيٌ علي الأقلٌ . وماالمنام سوي طريقنا الوحيدة في الكلام /وأيٌها الموت التبسْ واجلسْعلي بلٌوْر أيامي ، كأنٌك واحد منأصدقائي الدائمين ، كأنٌك المنفيٌ بينالكائنات . ووحدك المنفيٌ . لا تحياحياتك . ما حياتك غير موتي . لاتعيش ولا تموت . وتخطف الأطفالمن عطش الحليب إلي الحليب . ولمتكن طفلا تهزٌ له الحساسين السرير ،ولم يداعبْك الملائكة الصغار ولاقرون الأيٌل الساهي ، كما فعلتْ لنانحن الضيوف علي الفراشة . وحدكالمنفيٌ ، يا مسكين ، لا امرأة تضمٌكبين نهديها ، ولا امرأة تقاسمكالحنين إلي اقتصاد الليل باللفظ الإباحيٌالمرادف لاختلاط الأرض فينا بالسماء .ولم تلدْ ولدا يجيئك ضارعا : أبتي ،أحبٌك . وحدك المنفيٌ ، يا ملكالملوك ، ولا مديح لصولجانك . لاصقور علي حصانك . لا لآلئ حولتاجك . أيٌها العاري من الراياتوالبوق المقدٌس ! كيف تمشي هكذامن دون حرٌاسي وجوْقة منشدين ،كمشْية اللصٌ الجبان . وأنت منْأنت ، المعظٌم ، عاهل الموتي ، القويٌ ،وقائد الجيش الأشوريٌ العنيدفاصنع بنا ، واصنع بنفسك ما تريد
وأنا أريد ، أريد أن أحيا ، وأنأنساك “. أن أنسي علاقتنا الطويلةلا لشيءي ، بل لأقرأ ما تدوٌنهالسماوات البعيدة من رسائل . كلٌماأعددت نفسي لانتظار قدومكازددت ابتعادا . كلما قلت : ابتعدْعني لأكمل دوْرة الجسديْن ، في جسدييفيض ، ظهرت ما بيني وبينيساخرا : لا تنْس موْعدنا “متي ؟ ­ في ذرْوة النسيانحين تصدٌق الدنيا وتعبد خاشعاخشب الهياكل والرسوم علي جدار الكهف ،حيث تقول : آثاري أنا وأنا ابن نفسي . ­ أين موعدنا ؟أتأذن لي بأن أختار مقهي عندباب البحر ؟ ­ لا “. لا تقْتربْيا ابن الخطيئة ، يا ابن آدم منحدود الله ! لم تولدْ لتسأل ، بللتعمل “. ­ كن صديقا طيٌبا ياموت ! كنْ معني ثقافيا لأدرككنْه حكمتك الخبيئة ! ربٌما أسْرعْتفي تعليم قابيل الرماية . ربٌماأبطأت في تدريب أيٌوبي عليالصبر الطويل . وربما أسْرجْت ليفرسا لتقتلني علي فرسي . كأنيعندما أتذكٌر النسيان تنقذ حاضريلغتي . كأني حاضر أبدا . كأنيطائر أبدا . كأني مذْ عرفتكأدمنتْ لغتي هشاشتها علي عرباتكالبيضاء ، أعلي من غيوم النوم ،أعلي عندما يتحرٌر الإحساس من عبءالعناصر كلٌها . فأنا وأنت علي طريقالله صوفيٌان محكومان بالرؤيا ولا يريان /عدْ يا موْت وحدك سالما ،فأنا طليق ههنا في لا هناأو لا هناك . وعدْ إلي منفاكوحدك . عدْ إلي أدوات صيدك ،وانتظرني عند باب البحر . هيٌئ لينبيذا أحمر للاحتفال بعودتي لعيادةالأرض المريضة . لا تكن فظٌا غليظالقلب ! لن آتي لأسخر منك ، أوأمشي علي ماء البحيْرة في شمالالروح . لكنٌي ­ وقد أغويتني ­ أهملتخاتمة القصيدة : لم أزفٌ إلي أبيأمٌي علي فرسي . تركت الباب مفتوحالأندلس الغنائيٌين ، واخترت الوقوفعلي سياج اللوز والرمٌان ، أنفضعن عباءة جدٌي العالي خيوطالعنكبوت . وكان جيْش أجنبيٌ يعبرالطرق القديمة ذاتها ، ويقيس أبعادالزمان بآلة الحرب القديمة ذاتها “ /يا موت ، هل هذا هو التاريخ ،صنْوك أو عدوٌك ، صاعدا ما بينهاويتين ؟ قد تبني الحمامة عشٌهاوتبيض في خوذ الحديد . وربما ينمونبات الشٌيح في عجلات مرْكبةٍ محطٌمةٍ .فماذا يفعل التاريخ ، صنوك أو عدوٌك ،بالطبيعة عندما تتزوٌج الأرض السماءوتذرف المطر المقدٌس ؟ /
أيها الموت ، انتظرني عند بابالبحر في مقهي الرومانسيٌين . لمأرجعْ وقد طاشتْ سهامك مرٌةإلاٌ لأودع داخلي في خارجي ،وأوزٌع القمح الذي امتلأتْ به روحيعلي الشحرور حطٌ علي يديٌ وكاهلي ،وأودٌع الأرض التي تمتصٌني ملحا ، وتنثرنيحشيشا للحصان وللغزالة . فانتظرنيريثما أنهي زيارتي القصيرة للمكان وللزمان ،ولا تصدٌقْني أعود ولا أعودوأقول : شكرا للحياة !ولم أكن حيٌا ولا ميْتاووحدك ، كنت وحدك ، يا وحيد !
تقول ممرٌضتي : كنْت تهذيكثيرا ، وتصرخ : يا قلب !يا قلْب ! خذْنيإلي دوْرة الماء “/ما قيمة الروح إن كان جسميمريضا ، ولا يستطيع القيامبواجبه الأوليٌ ؟فيا قلب ، يا قلب أرجعْ خطايإليٌ ، لأمشي إلي دورة الماءوحدي !
نسيت ذراعيٌ ، ساقيٌ ، والركبتينوتفٌاحة الجاذبيٌةْنسيت وظيفة قلبيوبستان حوٌاء في أوٌل الأبديٌةْنسيت وظيفة عضوي الصغيرنسيت التنفٌس من رئتيٌ .نسيت الكلامأخاف علي لغتيفاتركوا كلٌٌ شيء علي حالهوأعيدوا الحياة إلي لغتي !..
تقول ممرٌضتي : كنْت تهذيكثيرا ، وتصرخ بي قائلا :لا أريد الرجوع إلي أحدلا أريد الرجوع إلي بلدبعد هذا الغياب الطويل “أريد الرجوع فقطْإلي لغتي في أقاصي الهديلتقول ممرٌضتي :كنْت تهذي طويلا ، وتسألني :هل الموت ما تفعلين بي الآنأم هو موْت اللغةْ ؟
خضراء ، أرض قصيدتي خضراء ، عالية “علي مهلي أدوٌنها ، علي مهلي ، عليوزن النوارس في كتاب الماء . أكتبهاوأورثها لمنْ يتساءلون : لمنْ نغنٌيحين تنتشر الملوحة في الندي ؟ “خضراء ، أكتبها علي نثْر السنابل فيكتاب الحقل ، قوٌسها امتلاء شاحبفيها وفيٌ . وكلٌما صادقْت أوآخيْت سنْبلة تعلٌمْت البقاء منالفناء وضدٌه : (( أنا حبٌة القمحالتي ماتت لكي تخْضرٌ ثانية . وفيموتي حياة ما “ ))
كأني لا كأنٌيلم يمت أحد هناك نيابة عني .فماذا يحفظ الموتي من الكلمات غيرالشٌكْر : إنٌ الله يرحمنا “ويؤْنسني تذكٌر ما نسيت منالبلاغة : لم ألدْ ولدا ليحمل موْتوالده “وآثرْت الزواج الحرٌ بين المفْردات “.ستعْثر الأنثي علي الذٌٌكر الملائمفي جنوح الشعر نحو النثر “.سوف تشٌبٌ أعضائي علي جمٌيزةٍ ،ويصبٌ قلبي ماءه الأرضيٌ فيأحد الكواكب “ منْ أنا في الموتبعدي ؟ منْ أنا في الموت قبليقال طيف هامشيٌ : (( كان أوزيريسمثْلك ، كان مثلي . وابن مرْيمكان مثلك ، كان مثلي . بيْد أنٌالجرْح في الوقت المناسب يوجعالعدم المريض ، ويرْفع الموت المؤقٌٌتفكرة “ )).من أين تأتي الشاعريٌة ؟ منذكاء القلب ، أمْ من فطْرة الإحساسبالمجهول ؟ أمْ من وردةٍ حمراءفي الصحراء ؟ لا الشخصيٌ شخصيٌولا الكونيٌ كونيٌ “
كأني لا كأني “/كلما أصغيت للقلب امتلأتبما يقول الغيْب ، وارتفعتْ بيالأشجار . من حلْم إلي حلْميأطير وليس لي هدف أخير .كنْت أولد منذ آلاف السنينالشاعريٌة في ظلامي أبيض الكتٌانلم أعرف تماما منْ أنا فينا ومنحلْمي . أنا حلْميكأني لا كأني “لم تكنْ لغتي تودٌع نبْرها الرعويٌإلاٌ في الرحيل إلي الشمال . كلابناهدأتْ . وماعزنا توشٌح بالضباب عليالتلال . وشجٌ سهْم طائش وجْهاليقين . تعبت من لغتي تقول ولاتقول علي ظهور الخيل ماذا يصنعالماضي بأيٌام امرئ القيس الموزٌعبين قافيةٍ وقيْصر “/كلٌما يمٌمْت وجهي شطْر آلهتي ،هنالك ، في بلاد الأرجوان أضاءنيقمر تطوٌقه عناة ، عناة سيٌدةالكناية في الحكاية . لم تكن تبكي عليأحد ، ولكنْ من مفاتنها بكتْ :هلْ كلٌ هذا السحر لي وحديأما من شاعري عندييقاسمني فراغ التخْت في مجدي ؟ويقطف من سياج أنوثتيما فاض من وردي ؟أما من شاعر يغْويحليب الليل في نهدي ؟أنا الأوليأنا الأخريوحدٌي زاد عن حدٌيوبعدي تركض الغزلان في الكلماتلا قبلي “ ولا بعدي /
سأحلم ، لا لأصْلح مركبات الريحأو عطبا أصاب الروحفالأسطورة اتٌخذتْ مكانتها / المكيدةفي سياق الواقعيٌ . وليس في وسْع القصيدةأن تغيٌر ماضيا يمضي ولا يمضيولا أنْ توقف الزلزاللكني سأحلم ،ربٌما اتسعتْ بلاد لي ، كما أناواحدا من أهل هذا البحر ،كفٌ عن السؤال الصعب : (( منْ أنا ؟ “هاهنا ؟ أأنا ابن أمي ؟ ))لا تساورني الشكوك ولا يحاصرنيالرعاة أو الملوك . وحاضري كغدي معي .ومعي مفكٌرتي الصغيرة : كلٌما حكٌالسحابة طائر دوٌنت : فكٌ الحلْمأجنحتي . أنا أيضا أطير . فكلٌحيٌ طائر . وأنا أنا ، لا شيءآخر /
واحد من أهل هذا السهل “في عيد الشعير أزور أطلاليالبهيٌة مثل وشْم في الهويٌة .لا تبدٌدها الرياح ولا تؤبٌدها “ /وفي عيد الكروم أعبٌ كأسامن نبيذ الباعة المتجوٌلين “ خفيفةروحي ، وجسمي مثْقل بالذكريات وبالمكان /وفي الربيع ، أكون خاطرة لسائحةٍستكتب في بطاقات البريد : (( علييسار المسرح المهجور سوْسنة وشخْصغامض . وعلي اليمين مدينة عصريٌة )) /
وأنا أنا ، لا شيء آخر “لسْت من أتباع روما الساهرينعلي دروب الملح . لكنٌي أسدٌد نسْبةمئويٌة من ملح خبزي مرْغما ، وأقولللتاريخ : زيٌنْ شاحناتك بالعبيد وبالملوك الصاغرين ، ومرٌ“ لا أحد يقولالآن : لا .
وأنا أنا ، لا شيء آخرواحد من أهل هذا الليل . أحلمبالصعود علي حصاني فوْق ، فوْق “لأتبع الينْبوع خلف التلٌفاصمدْ يا حصاني . لم نعدْ في الريح مخْتلفيْنأنت فتوٌتي وأنا خيالك . فانتصبْألفا ، وصكٌ البرق . حكٌ بحافرالشهوات أوعية الصدي . واصعدْ ،تجدٌدْ ، وانتصبْ ألفا ، توتٌرْ ياحصاني وانتصبْ ألفا ، ولا تسقطْعن السفح الأخير كرايةي مهجورةٍ فيالأبجديٌة . لم نعدْ في الريح مخْتلفيْن ،أنت تعلٌتي وأنا مجازك خارج الركبالمروٌض كالمصائر . فاندفعْ واحفرْ زمانيفي مكاني يا حصاني . فالمكان هوالطريق ، ولا طريق علي الطريق سواكتنتعل الرياح . أضئْ نجوما في السراب !أضئْ غيوما في الغياب ، وكنْ أخيودليل برقي يا حصاني . لا تمتْقبلي ولا بعدي علي السفح الأخيرولا معي . حدٌقْ إلي سيٌارة الإسعافوالموتي “ لعلٌي لم أزل حيٌا /
سأحلم ، لا لأصْلح أيٌ معني خارجي .بل كي أرمٌم داخلي المهجور من أثرالجفاف العاطفيٌ . حفظت قلبي كلٌهعن ظهر قلبي : لم يعدْ متطفٌلاومدلٌلا . تكْفيه حبٌة أسبرين لكييلين ويستكين . كأنٌه جاري الغريبولست طوْع هوائه ونسائه . فالقلبيصْدأ كالحديد ، فلا يئنٌ ولا يحنٌولا يجنٌ بأوٌل المطر الإباحيٌ الحنين ،ولا يرنٌ ٌكعشب آب من الجفاف .كأنٌ قلبي زاهد ، أو زائدعني كحرف الكاف في التشبيهحين يجفٌ ماء القلب تزداد الجمالياتتجريدا ، وتدٌثر العواطف بالمعاطف ،والبكارة بالمهارة /
كلٌما يمٌمْت وجهي شطْر أوليالأغنيات رأيت آثار القطاة عليالكلام . ولم أكن ولدا سعيداكي أقول : الأمس أجمل دائما .لكنٌ للذكري يديْن خفيفتين تهيٌجانالأرض بالحمٌي . وللذكري روائح زهرةٍليليٌةٍ تبكي وتوقظ في دم المنفيٌحاجته إلي الإنشاد : (( كونيمرْتقي شجني أجدْ زمني )) “ ولستبحاجةٍ إلاٌ لخفْقة نوْرس لأتابعالسفن القديمة . كم من الوقتانقضي منذ اكتشفنا التوأمين : الوقتوالموت الطبيعيٌ المرادف للحياة ؟ولم نزل نحيا كأنٌ الموت يخطئنا ،فنحن القادرين علي التذكٌر قادرونعلي التحرٌر ، سائرون علي خطيجلجامش الخضراء من زمني إلي زمني “ /
هباء كامل التكوين “يكسرني الغياب كجرٌة الماء الصغيرة .نام أنكيدو ولم ينهض . جناحي نامملْتفٌا بحفْنة ريشه الطينيٌ . آلهتيجماد الريح في أرض الخيال . ذراعياليمْني عصا خشبيٌة . والقلْب مهجوركبئري جفٌ فيها الماء ، فاتٌسع الصديالوحشيٌ : أنكيدو ! خيالي لم يعدْيكفي لأكمل رحلتي . لا بدٌ لي منقوٌةي ليكون حلْمي واقعيٌا . هاتأسْلحتي ألمٌعْها بملح الدمع . هاتالدمع ، أنكيدو ، ليبكي الميْت فيناالحيٌ . ما أنا ؟ منْ ينام الآنأنكيدو ؟ أنا أم أنت ؟ آلهتيكقبض الريح . فانهضْ بي بكاملطيشك البشريٌ ، واحلمْ بالمساواةالقليلة بين آلهة السماء وبيننا . نحنالذين نعمٌر الأرض الجميلة بيندجلة والفرات ونحفظ الأسماء . كيفمللْتني ، يا صاحبي ، وخذلْتني ، ما نفْع حكمتنا بدونفتوٌةٍ “ ما نفع حكمتنا ؟ علي باب المتاه خذلتني ،يا صاحبي ، فقتلتني ، وعليٌ وحديأن أري ، وحدي ، مصائرنا . ووحديأحمل الدنيا علي كتفيٌ ثورا هائجا .وحدي أفتٌش شارد الخطوات عنأبديتي . لا بدٌ لي من حلٌ هذااللغْز ، أنكيدو ، سأحمل عنكعمْرك ما استطعت وما استطاعتقوٌتي وإرادتي أن تحملاك . فمنأنا وحدي ؟ هباء كامل التكوينمن حولي . ولكني سأسْند ظلٌٌكالعاري علي شجر النخيل . فأين ظلٌك ؟أين ظلٌك بعدما انكسرتْ جذوعك؟قمٌةالإنسانهاوية “ظلمتك حينما قاومت فيك الوحْش ،بامرأةٍ سقتْك حليبها ، فأنسْت “واستسلمت للبشريٌ . أنكيدو ، ترفٌقْبي وعدْ من حيث متٌ ، لعلٌنانجد الجواب ، فمن أنا وحدي ؟حياة الفرد ناقصة ، وينقصنيالسؤال ، فمن سأسأل عن عبورالنهر ؟ فانهضْ يا شقيق الملحواحملني . وأنت تنام هل تدريبأنك نائم ؟ فانهض .. كفي نوما !تحرٌكْ قبل أن يتكاثر الحكماء حوليكالثعالب : ( كلٌ شيء باطل ، فاغنمْحياتك مثلما هي برهة حبْلي بسائلها ،دم العشْب المقطٌر . عشْ ليومك لالحلمك . كلٌ شيء زائل . فاحذرْغدا وعش الحياة الآن في امرأةٍتحبٌك . عشْ لجسمك لا لوهْمك .وانتظرْولدا سيحمل عنك روحكفالخلود هو التٌناسل في الوجود .وكلٌ شيءٍ باطل أو زائل ، أوزائل أو باطل)منْ أنا ؟أنشيد الأناشيدأم حكْمة الجامعةْ ؟وكلانا أنا “وأنا شاعروملكْوحكيم علي حافٌة البئرلا غيمة في يديولا أحد عشر كوكباعلي معبديضاق بي جسديضاق بي أبديوغديجالس مثل تاج الغبارعلي مقعدي
باطل ، باطل الأباطيل “ باطلْكلٌ شيء علي البسيطة زائلْ
ألرياح شماليٌةوالرياح جنوبيٌةتشْرق الشمس من ذاتهاتغْرب الشمس في ذاتهالا جديد ، إذاوالزمنْكان أمس ،سدي في سدي .ألهياكل عاليةوالسنابل عاليةوالسماء إذا انخفضت مطرتْوالبلاد إذا ارتفعت أقفرتكلٌ شيء إذا زاد عن حدٌهصار يوما إلي ضدٌه .والحياة علي الأرض ظلٌ
لما لا نري “.باطل ، باطل الأباطيل “ باطلْكلٌ شيء علي البسيطة زائلْ
1400 مركبةو12,000 فرستحمل اسمي المذهٌب منزمني نحو آخر “عشت كما لم يعشْ شاعرملكا وحكيما “هرمْت ، سئمْت من المجدلا شيء ينقصنيألهذا إذاكلما ازداد علميتعاظم همٌي ؟فما أورشليم وما العرْش ؟لا شيء يبقي علي حالهللولادة وقْتوللموت وقتوللصمت وقْتوللنٌطق وقْتوللحرب وقْتوللصٌلح وقْتوللوقت وقْتولا شيء يبقي علي حاله “كلٌ نهْري سيشربه البحروالبحر ليس بملآن ،لاشيء يبقي علي حالهكلٌ حيٌ يسير إلي الموتوالموت ليس بملآن ،لا شيء يبقي سوي اسمي المذهٌببعدي :(( سليمان كان )) “فماذا سيفعل موتي بأسمائهمهل يضيء الذٌهبْظلمتي الشاسعةْأم نشيد الأناشيدوالجامعةْ ؟
باطل ، باطل الأباطيل “ باطلْكلٌ شيء علي البسيطة زائلْ /“
مثلما سار المسيح علي البحيْرة ،سرت في رؤياي . لكنٌي نزلت عنالصليب لأنني أخشي العلوٌ ،ولاأبشٌر بالقيامة . لم أغيٌرْ غيْرإيقاعي لأسمع صوت قلبي واضحا .للملحميٌين النٌسور ولي أنا : طوقالحمامة ، نجمة مهجورة فوق السطوح ،وشارع متعرٌج يفْضي إلي ميناءعكا ­ ليس أكثر أو أقلٌ ­أريد أن ألقي تحيٌات الصباح عليٌحيث تركتني ولدا سعيدا لمأكنْ ولدا سعيد الحظٌ يومئذٍ ،ولكنٌ المسافة، مثل حدٌادين ممتازين ،تصنع من حديدي تافهي قمراأتعرفني ؟سألت الظلٌ قرب السور ،فانتبهتْ فتاة ترتدي نارا ،وقالت : هل تكلٌمني ؟فقلت : أكلٌم الشبح القرينفتمتمتْ : مجنون ليلي آخر يتفقٌٌدالأطلال ،وانصرفتْ إلي حانوتها في آخر السوقالقديمة“ههنا كنٌا . وكانت نخْلتان تحمٌلانالبحر بعض رسائل الشعراء “لم نكبر كثيرا يا أنا . فالمنظرالبحريٌ ، والسٌور المدافع عن خسارتنا ،ورائحة البخور تقول : ما زلنا هنا ،حتي لو انفصل الزمان عن المكان .لعلٌنا لم نفترق أبداأتعرفني ؟بكي الولد الذي ضيٌعته :((لم نفترق . لكننا لن نلتقي أبدا )) “وأغْلق موجتين صغيرتين علي ذراعيه ،وحلٌٌق عاليا “فسألت : منْ منٌا المهاجر ؟ /قلت للسٌجٌان عند الشاطئ الغربيٌ :هل أنت ابن سجٌاني القديم ؟نعم !فأين أبوك ؟قال : أبي توفٌي من سنين.أصيب بالإحباط من سأم الحراسة .ثم أوْرثني مهمٌته ومهنته ، وأوصانيبان أحمي المدينة من نشيدك “قلْت : منْذ متي تراقبني وتسجنفيٌ نفسك ؟قال : منذ كتبت أولي أغنياتكقلت : لم تك قد ولدْتفقال : لي زمن ولي أزليٌة ،وأريد أن أحيا علي إيقاع أمريكاوحائط أورشليمفقلت : كنْ منْ أنت . لكني ذهبت .ومنْ تراه الآن ليس أنا ، أنا شبحيفقال : كفي ! ألسْت اسم الصديالحجريٌ ؟ لم تذهبْ ولم ترْجعْ إذا .ما زلت داخل هذه الزنزانة الصفراء .فاتركني وشأني !قلت : هل ما زلت موجوداهنا ؟ أأنا طليق أو سجين دونأن أدري . وهذا البحر خلف السور بحري ؟قال لي : أنت السجين ، سجيننفسك والحنين . ومنْ تراه الآنليس أنا . أنا شبحيفقلت محدٌثا نفسي : أنا حيٌوقلت : إذا التقي شبحانفي الصحراء ، هل يتقاسمان الرمل ،أم يتنافسان علي احتكار الليل ؟ /
المقطع قبل الأخيركانت ساعة الميناء تعمل وحدهالم يكترثْ أحد بليل الوقت ، صيٌادوثمار البحر يرمون الشباك ويجدلونالموج . والعشٌاق في ال ديسكو .وكان الحالمون يربٌتون القبٌرات النائماتويحلمون “وقلت : إن متٌ انتبهت “لديٌ ما يكفي من الماضيوينقصني غد “سأسير في الدرب القديم عليخطاي ، علي هواء البحر . لاامرأة تراني تحت شرفتها . ولمأملكْ من الذكري سوي ما ينفعالسٌفر الطويل . وكان في الأيامما يكفي من الغد . كنْت أصْغرمن فراشاتي ومن غمٌازتين :خذي النٌعاس وخبٌئيني فيالرواية والمساء العاطفيٌ /وخبٌئيني تحت إحدي النخلتين /وعلٌميني الشعْر / قد أتعلٌمالتجوال في أنحاء هومير / قدأضيف إلي الحكاية وصْفعكا / أقدم المدن الجميلة ،أجمل المدن القديمة / علبةحجريٌة يتحرٌك الأحياء والأمواتفي صلصالها كخليٌة النحل السجينويضْربون عن الزهور ويسألونالبحر عن باب الطوارئ كلٌمااشتدٌ الحصار / وعلٌميني الشعْر /قد تحتاج بنت ما إلي أغنيةلبعيدها : (( خذْني ولو قسْراإليك ، وضعْ منامي فييديْك )) . ويذهبان إلي الصديمتعانقيْن / كأنٌني زوٌجت ظبياشاردا لغزالةي / وفتحت أبوابالكنيسة للحمام “ / وعلٌمينيالشعْر / منْ غزلتْ قميصالصوف وانتظرتْ أمام البابأوْلي بالحديث عن المدي ، وبخيْبةالأمل : المحارب لم يعدْ ، أولن يعود ، فلست أنت منانتظرت “ /
ومثلما سار المسيح علي البحيرة “سرت في رؤياي . لكنٌي نزلت عنالصليب لأنني أخشي العلوٌ ولاأبشٌر بالقيامة . لم أغيٌر غير إيقاعيلأسمع صوت قلبي واضحا “للملحميٌين النسور ولي أنا طوْقالحمامة ، نجْمة مهجورة فوق السطوح ،وشارع يفضي إلي الميناء “ /هذا البحر ليهذا الهواء الرٌطْب ليهذا الرصيف وما عليْهمن خطاي وسائلي المنويٌ “ ليومحطٌة الباص القديمة لي . وليشبحي وصاحبه . وآنية النحاسوآية الكرسيٌ ، والمفتاح ليوالباب والحرٌاس والأجراس ليلي حذْوة الفرس التيطارت عن الأسوار “ ليما كان لي . وقصاصة الورق التيانتزعتْ من الإنجيل ليوالملْح من أثر الدموع عليجدار البيت لي “واسمي ، إن أخطأت لفْظ اسميبخمسة أحْرفي أفقيٌة التكوين لي :ميم / المتيٌم والميتٌم والمتمٌم ما مضيحاء / الحديقة والحبيبة ، حيرتان وحسرتانميم / المغامر والمعدٌ المسْتعدٌ لموتهالموعود منفيٌا ، مريض المشْتهيواو / الوداع ، الوردة الوسطي ،ولاء للولادة أينما وجدتْ ، ووعْد الوالديندال / الدليل ، الدرب ، دمعةدارةٍ درستْ ، ودوريٌ يدلٌلني ويدْميني /وهذا الاسم لي “ولأصدقائي ، أينما كانوا ، وليجسدي المؤقٌت ، حاضرا أم غائبا “متْران من هذا التراب سيكفيان الآن “لي متْر و75 سنتمترا “والباقي لزهْري فوْضويٌ اللون ،يشربني علي مهلي ، وليما كان لي : أمسي ، وما سيكون ليغدي البعيد ، وعودة الروح الشريدكأنٌ شيئا لم يكنْوكأنٌ شيئا لم يكنجرح طفيف في ذراع الحاضر العبثيٌ “والتاريخ يسخر من ضحاياهومن أبطاله “يلْقي عليهمْ نظرة ويمرٌ “هذا البحر ليهذا الهواء الرٌطْب ليواسمي ­وإن أخطأت لفظ اسمي علي التابوت ­لي .أما أنا ­ وقد امتلأتبكلٌ أسباب الر حيل ­فلست لي .أنا لست ليأنا لست لي “


الأربعاء، 23 يناير 2013


أقل موتاً منا، وأكثر منا حياة!

ألقى الشاعر محمود درويش كلمة في تأبين الشاعر محمد الماغوط في دار الأوبرا في دمشق.
في ما يأتي نصها:
في أمسية غياب كهذه، وفي المكان هذا، كنا في العام الماضي ننثر ورد الحب على اسم الراحل ممدوح عدوان. لم يحضر محمد الماغوط كاملا، لعجز عكازه عن إسناد جبل. لكنه حضر صورة شاحبة وصوتاً متهدجاً ليذكّرنا بأن للوداع بقية.
ذهبنا إليه في صباح اليوم التالي. كانت العاصفة مسترخية على أريكة، تشرب وتضحك وتدخن وتعانق زوارها. كانت العاصفة مرحة فرحة بما تبقى فيها من هواء وضيوف، ولا تأسف على ما فعلت باللغة وبالنظام الشعري. فهي لا تُعرَّف الا من آثارها عندما تهدأ. هدأ الماغوط ونظر إلى آثاره برضا الفاتح المرهق.
قلنا له وقال لنا ما يقول العارفون بأن اللقاء وداع. وضحكنا كثيراً لنخفي خوفاً أثاره فينا انكبابه على ترتيب الموعد القاسي مع سلامه الداخلي، فمثل هذا المحارب لا تليق به السكينة.
لكنه لم يكن حزيناً ولا خائفاً مما يتربص به. وضَع الماضي كله على المائدة، ووزع على كل واحد منا حصته من الذكريات والمودة، قرأ لنا ما يدون من خواطر يومية عاجلة، فهو في سباق مع معلوم يشاغله بالطرق على فولاذ المجهول. وحياني بقصيدة، فخجلت، وقلت في نفسي: لماذا لم يصدِّقني من قبل؟
وهو، الذي لا يحب الإعلام، ابتهج بوصول فريق إذاعي، ربما ليعلن وصيته الأخيرة على الملأ: أوصيكم بالحب… فهذا الغاضب من كل شيء لم يغضب إلا لأن الحب في هذا العالم قد نضب. ولم يغضب إلا لأن زنزانة هذا العالم ما زالت تتسع لسجين رأي مختلف. ولأن أرصفة هذا العالم ما زالت تزدحم بالفقراء والمشردين. ولم يغضب إلا لأن لفظة الحرية، بمعناها الشخصي والعام، ما زالت مستعصية على العرب والعاربة والمستعربة… والإعراب!
فوجئنا بصحافي يسألنا بلا رحمة: هل جئتم إلى الماغوط لحضور جنازة مبكرة؟
تحسس كل واحد منا قلبه وتلعثم، إلا هو، هو النسر الوحيد في ذروته، ملتفاً بكبرياء الأعالي وبمصاهرة البعيد. لم يكن سؤال الموت سؤاله ما دام يكتب… ففي كل كتابة إبداعية نصر صغير على الموت، وهزيمة صغرى أمام إغواء الحياة التي تقول للشاعر: هذا لا يكفي، فما زالت القصيدة ناقصة!
وكنا نعلم أننا جئنا للقائه لنتدرب على وداعه.
رحل الماغوط، ونقص الشعر. لكنه لم يأخذ شعره معه كما فعل الكثيرون من مجايليه الذين صانوا سلطتهم الشعرية في حياتهم بحرّاس النقد والأحزاب. فهذا الوحيد الخالي من أية حراسة نظرية وتنظيم إعلامي، لم يراهن إلا على شعريته وحريته، وعلى قارئه المجهول الذي وجد في قصيدته صدى صوته وملامح صورته، بعدما أقامت كلماته المكتوبة بالجمر جسر اللقاء بين الذات والموضوع، وبين الذات وما تزدحم به من آخرين.
وهو، هو الذي جاء من الهامش واختار هامش الصعلوك، كان نجماً دون أن يدري ويريد.
فالنجومية هي ما يحيط بالاسم من فضائح. وشعره هو فضيحتنا العامة، فضيحة الزمن العربي الذي يهرب منه الحاضر كحفنة رمل في قبضة يد ترتجف خوفاً من الحاكم ومن التاريخ. حاضر يقضمه ماض لا يمضي وغد لا يصل. كم أخشى القول أن الزمن الذي هجاه الماغوط ربما كان أفضل من الزمن الذي ودّعه. فقد كنا ذاهبين، على الأقل، إلى موعد مرجأ مع أمل مخترع. لا بأس من أن يكون ماضينا أفضل من حاضرنا. ولكن الشقاء الكامل هو أن يكون حاضرنا أفضل من غدنا. يا لهاويتنا كم هي واسعة!
رأى الماغوط الهاوية فخاف. خاف بشجاعة المقاوم. فنظر إلى الأفق بعيون الشاعر الطائر، فخاف ثانية، وقاوم الخوف برؤيا الشاعر الحالم، فماذا على الشاعر أن يفعل غير أن يخلص مرتين: مرة لانتمائه إلى الواقع، ومرة لتجاوز الواقع بالخيال وبصناعة الجمال؟
لكن هذا الخائف على عفوية الحياة، وعلى العلاقة السرية بين الأشياء والكلمات، رأى الخوف كما تُرى المواد الأولية لبناء الكابوس، فقاومه بحرية الكلمات في تحرير صاحبها وقارئها، وقاومه بالتخلي عن حنين اللغة إلى ماضي أطلالها وقصورها معاً، وبفروسية من لا يملك شيئاً ليخسره، وأكاد أقول: بمغامرة يأسه اشتق الأمل لغيره، فأخاف ما يخيفه، كما تُخيف الملحمة الشعرية الموت المتربص بأبطالها وقرائها الخالدين. لقد أخافت لغة الماغوط الساخنة الساخرة الجميع من فرط قوة الهشاشة في أعشابها، ومن فرط دفاعها عن حق الوردة في حماية خصائصها.
وهو فضيحة شعرنا. فعندما كانت الريادة الشعرية العربية تخوض معركتها حول الوزن، وتقطعه إلى وحدات إيقاعية تقليدية المرجعية، وتبحث عن موقع جديد لقيلولة القافية: في آخر السطر أم في أوله… في منتصف المقطع أم في مقعد على الرصيف، وتستنجد بالأساطير وتحار بين التصوير والتعبير، كان محمد الماغوط يعثر على الشعر في مكان آخر. كان يتشظى ويجمع الشظايا بأصابع محترقة، ويسوق الأضداد إلى لقاءات متوترة. كان يدرك العالم بحواسه، ويصغي الى حواسه وهي تملي على لغته عفويتها المحنكة فتقول المدهش والمفاجئ. كانت حسيته المرهفة هي دليله الى معرفة الشعر… هذا الحدث الغامض الذي لا نعرف كيف يحدث ومتى.
انقضَّ على المشهد الشعري بحياء عذراء وقوة طاغية، بلا نظرية وبلا وزن وقافية. جاء بنص ساخن ومختلف لا يسميه نثراً ولا شعراً، فشهق الجميع: هذا شعر. لأن قوة الشعرية فيه وغرائبية الصور المشعة فيه، وعناق الخاص والعام فيه، وفرادة الهامشي فيه، وخلوه من تقاليد النظم المتأصلة فينا، قد أرغمنا على إعادة النظر في مفهوم الشعر الذي لا يستقر على حال، لأن جدة الإبداع تدفع النظرية إلى الشك بيقينها الجامد.
لم يختلف اثنان على شاعرية الماغوط، لا التقليدي ولا الحداثي، ولا من يود القفز الى ما بعد الحداثة. حجتهم هي ان الماغوط استثناء، استثناء لا يُدرج في سياق الخلاف حول الخيارات الشعرية. لكنها حجة قد تكون مخاتلة، فما هي قيمة الشاعر إذا لم يكن استثناء دائماً وخروجاً عن السائد والمألوف؟ لذلك، فنحن لا نستطيع ان نحب قصيدة الماغوط ونرفض قصيدة النثر التي كان أحد مؤسسيها الأكثر موهبة. وإذا كانت تعاني من شيوع الفوضى والركاكة وتشابه الرمال، على ايدي الكثيرين من كتابها، فإن قصيدة الوزن تعاني أيضا من هذه الأعراض، الأزمة إذاً ليست أزمة الخيار الشعري، بل هي أزمة الموهبة، أزمة الذات الكاتبة. فنحن القراء لا نبحث
 في القصيدة إلا عن الشعر، عن تحقق الشعرية في القصيدة.
سر الماغوط هو سر الموهبة الفطرية. لقد عثر على كنوز الشعر في طين الحياة. جعل من تجربته في السجن تجربة وجودية. وصاغ من قسوة البؤس والحرمان جماليات شعرية، وآلية دفاع شعري عن الحياة في وجه ما يجعلها عبئاً على الأحياء.
وهو الآن في غيابه، أقل موتاً منا، وأكثر منا حياة!

سنعلم ان أسطورة حية زالت قبل أن نَخبرها…

في تأبين الماغوط قال عباس بيصون كلمة في ما يلي نصها:
لا نضيف شيئا إذا قلنا ان “محمد الماغوط”  كبير. بل اذا قلنا انه الشاعر. إذا كان الشعر سحرا واعجوبة فالماغوط هو الشاعر، وإذا كان سليقة فوارة فهو الشاعر، وإذا كان حقيقة في الحقيقة او جرحا او غناء او ارتحالا او حياة موازية، فهو الشاعر.
محمد الماغوط يرحل اليوم كما يرحل جد عظيم من اجداد القصيدة العربية. فالرجل الذي لم يطو اوائل سبعيناته ربى اجيالا من الشعراء، ونحن اليوم لا نرى شاعرا لم يأكل من خبزه او من خبز صُنع في معجنه. شاعت قصيدة الماغوط في شعرنا كالسر، ودخلت في مسامه وشغافه بدون ثقل وتشرّبها خفية عنه. حتى لقد لاح في يوم انها الشعر بالمطلق؛ الشعر الذي لا يُنمى لأحد ولا يحتاج الى صاحب. هذا شعر لم يعتّق فوجد كل فيه جديده، ولم يستعص فحسبه كلٌّ من فيضِ نفسه، وتلبّسه كثيرون وهم يحسبون انه ثوبهم الخاص، وقالوه حتى حاكى اصواتهم. هكذا سار كالشائعة، وتوزع في الخلق كالحَب في الأرض، وأثمر في حقله وغير حقله. لا نعرف شعرا رسب في شعرنا بمقدار ما فعل شعر الماغوط. بل لا نعرف شعرا اتسع عن صاحبه حتى حجبه كما فعل شعر الماغوط. انه دَين كبير وعلينا الآن ان نرده. لن نعيد الى الماغوط كل حرف اخذناه منه، ولا كل صورة، فهذا قد يلخبط تاريخ قصيدتنا الحديثة كلها. احرى بنا فقط ان نعرف انه غدا بدون علمنا احد كلاسيكيي القصيدة الحديثة. بل غدا، بدون علمنا، محل إجماع نادر في هذه القصيدة.
كثيرون يظنون، خطأ أو صوابا، ان قصيدة النثر الحديثة بدأت بمحمد الماغوط. لا لأنه طبعها باسمه فحسب، بل لأن قصيدته بدت مكتملة كأنها لم تمر بالبدايات. لقد خرجت ناضجة كأنها لا تحتاج الى تاريخ. دخلت المعترك بالقوة التي لم يستطع احد معها ان يشكك في اصلها وفصلها، او ان ينتبه الى انها بوزن او بلا وزن. لم يظهر نقصها بقدر ما ظهر كمالها. هكذا بدت مثالا اكثر منها تفاحة منشقة. طرحت على الشعراء تحديا حقيقيا لم ينتبهوا معه الى ان لها جِلْدا آخر. لقد كانت الغناء الذي يطلبونه ولا يجدونه، والصناعةَ التي يبحثون عنها، والصورة التي تتولد كالشرارة من المفارقة والتضاد. لم يسعهم ان يعيّروها بالنثر، ولو بقي الأمر لشعر الماغوط لكانت قصيدة النثر دخلت في شعرنا دخولا سلسا ولما كانت جابهت على الباب حراسَ الوزن وحراس اللغة وحراس التقليد، ولما دخلت متقصّدة ان تكون لعنة ومرضا وانشقاقا.
منذ <>، بدا ان الشاب المولود في السلمية 1934 قد استطاع بمعجزة ما ان يكتسب لغات واصواتا لا يدري
احد كيف جمعها. كانت موجة الحداثة واللحاق بموكب عالمي مزعوم وبكوكب عائم للشعر. كانت الحداثة، وكان الحج الى الغرب، ولم يفهم احد كيف وصل هذا النبأ وتلك الأخيلة وهذه الفطرة المدهشة الى اطراف البادية، وأين عثر عليها هذا الشاب الذي احرقت أجفانَه جمرةُ الصحراء. أهو التاريخ العريق تحرك في باطن الأرض وكلّمه. أهو وحي من الغيب، أم هو ملاك الشعر وقف على فمه وساعده. لم يدر أحد كيف وصلت هذه المخيلة المهلكة، وهذا البستان العجائبي، وتلك الرؤى البروميثيسية، وذلك السِّفْر الخيالي، الى هذا الشاب الذي ظل طوال حياته شكاكا بالكتب والنظريات. لنقل ان هذه معجزة الشعر. لنقل ان ما كتبه الماغوط كان برهانا ميدانيا على جدارة مبدأ مجلوب احتاج الى وقت ليجد لنفسه موضعا وفضاء. من اين استطاع محمد الماغوط ان يصل الى دم اللغة، والى دم الشعر الحي، وان يقشّر الكلام ويصل الى عصارته ولبه النابضين. لقد فعل ذلك، ليس بالوحي وحده، بل بمعاناة عظيمة أحرقت كل التراب الذي في صدره وفي عينيه، وجعلته يصل الى الوهج الصافي. معاناة ليست لشخص فحسب، ولكن لحقبة. لقد كان هذا الشعر بحق في لحظة الانتقال الى المدينة. كان افتتانا بالرصيف والشارع والحانة والمقهى، والمبغى ايضا، بقدر ما كان رجما للحظة غادرة تجف فيها الانهار وتقوم الدول على جبل من الأكاذيب
استطاع الماغوط، بأربعة كتب فحسب، أن يصور أسطورة الانتقال هذه. لم تكن خروجا ولا شتاتا ولا ملحمة من أي نوع. لم تكن أسطورة إلا بالمعنى البعيد للكلمة. لقد كانت تسكعا وصعلكة وزمنا يتبدد في الشوارع. كانت حياة تتبدد في الشوارع وتتساقط كالحطب اليابس. لم يحب الماغوط التاريخ ولا الملاحم ولا الأساطير. قال ان رأسه مثقوب من هذه الجهة. ما رآه دائما كان حاضرا متأزما، لكنه حاضر فحسب. كان شعره، بسبب ذلك، مذكرات مدينة ويومياتها. كانت عيناه ملتهبتين بإعادة تخيل العادِيَات. إذا قالت المدينة للماغوط اشرب دموعك فلأنه يعاقب نفسه على افتتانه بها. كان الشارع دائما مرآته. لقد كره الدولة كما يفعل فوضوي حارب بيأس في كومونة باريس، أو جمهورية روسية. هو الذي لا يعرف ذلك، كان أكثر الناس شبها بعصره. حين رفض أن يراه من وراء أحاج وحذلقات وأقنعة، كان على الأقل يبشّر بالحياة قبل أن يبكي لخسارتها، وقبل أن يُدينها.
محمد الماغوط، بأربعة كتب فحسب، كتب كثيرا. ليس مهما أن نقول إنها في النهاية أربعة كتب: <>، <>، <>، <>. هذه الكتب كانت كلمته الحية، أما الباقي فهو الموت الذي يحيطها. يمكن للعشاق أن يجدوا مجددا مواساتهم في شعره. يمكن للثوريين أيضا، وللمتسكعين وللمحتجين من كل لون. يمكن للشعراء أن يجدوا عيدهم المكسوف. يمكن للتلاميذ، وحتى للأبرياء وللأطفال، أن يجدوا شيئا لهم. لنقل ان هذا الشعر قدم أيضا نموذج حياة. من يقرأ محمد الماغوط فسيعرف السحر العظيم للتسكع؛ السحر العجيب للشارع. من يقرأ الماغوط يفهمْ أن الشعر أيضا نموذج. انه أيضا حرب المهزومين والبراءة المكسورة والقتال الفردي ضد الماكينات الجبارة. بل من يقرأ هذا الشعر يعرف أيضا نبل الشقاء وكرامته، والكره النظيف والطاهر للجبابرة والكاذبين. وإذا عنَّ لأحد أن يعود إلى دواوين الماغوط الأربعة، فسيجد المرثية المسبقة والأصفى لعصر من الأكاذيب.
الماغوط الذي وجد الشعرَ بمعجزة ووجده الشعرُ بمعجزة. الذي تكلم كل اللغات بوحي لا يُدحض. الذي رسم عصرا قبل أن يتكون ورثاه مسبقا قبل أن يبلغ نهايته. الذي اتحد اسمه وأثره بالشعر والذي هو الجد الأول، ولكن أيضا الزميل والأخ. الماغوط الذي فاض شعره عنه يرحل الآن، وسنشعر فورا بأن هواء هائلا مرق بأجنحة جحيمية، وأبواباً هائلة أطبقت، وفراغا كبيرا حل. ذلك أن شاعرا حقيقيا يصفق وراءه أبوابَ الجحيم. عندئذ ستخرج من الكتب الأربعة رؤى ومخلوقات وأحداث وتفاصيل لا يراها إلا مجنون مدن كالماغوط. وسنعلم ان أسطورة حية زالت قبل أن نَخبرها، وعالما رائعا، لم نستحقه، طار عنا.

الفائض البشري

لفائض البشري
أنا الذي لم أقتل حتى الآن
في الحروب أو الزلاولِ أو حوادث الطرق
ماذا أفعل بحياتي؟
بتلك السنوات المتماوجةِ أمامي
كالبحر أمام البجعه؟
بعد أن ذهبت زهرةُُ كلماتي
على رسائل وطلبات الاستراحم
ورُسم مستقبلي
كما تُرسم البطة على لوح المدرسه
هل أعبِّرُ عن أحلامي
بالهمس واللمس نالمكفوف؟
أم أتركها تسيل على جوانب رأسي
كصمغ الأشجار الاستوائيه؟
أيتها النوافذ
قليلاَ من هواء الغابات
انني اختنق
ورئتاي جاحظتان خارج صدري
كعَيْنَيْ اليتيم
وصوتي ضالُّ كالرعد
لا يعرف أجيالاََ مقبلة ينشدها
ولا فماَ قديماَ يعود إليه
أيها البناؤون ادعموني بحجر
إنني أتصدع
كالجدران التي خالطها الغشَ
أنهار
كالقمم الثلجية تحت شمس الربيع
آه لو يتمُّ تبادلُ الأوطان
كالراقصاتِ في الملهى
من الديوان الفرح ليس مهنتي، دار المدى للثقافة والنشر، الطبعة الأولى، دمشق، 1998
أنا الذي لم أقتل حتى الآن
في الحروب أو الزلاولِ أو حوادث الطرق
ماذا أفعل بحياتي؟
بتلك السنوات المتماوجةِ أمامي
كالبحر أمام البجعه؟
بعد أن ذهبت زهرةُ كلماتي
على رسائل وطلبات الاسترحام
ورُسم مستقبلي
كما تُرسم البطة على لوح المدرسه
هل أعبِّرُ عن أحلامي
بالهمس واللمس المكفوف؟
أم أتركها تسيل على جوانب رأسي
كصمغ الأشجار الاستوائيه؟
أيتها النوافذ
قليلاَ من هواء الغابات
انني اختنق
ورئتاي جاحظتان خارج صدري
كعَيْنَيْ اليتيم
وصوتي ضالُّ كالرعد
لا يعرف أجيالاَ مقبلة ينشدها
ولا فماَ قديماَ يعود إليه
أيها البناؤون ادعموني بحجر
إنني أتصدع
كالجدران التي خالطها الغشّ
أنهار
كالقمم الثلجية تحت شمس الربيع
آه لو يتمُّ تبادلُ الأوطان
كالراقصاتِ في الملهى
———————-
من ديوان ''الفرح ليس مهنتي''،
دار المدى للثقافة والنشر، الطبعة الأولى، دمشق، 1998